كان الليل مخيمًا، ولا تزال طائرات العدو الإسرائيلي تجول في سماء البلاد، تغير بين الحين والآخر مستغلةً آخر ساعات الحرب، إلا أن هذا لم يمنعه من أن يحزم امتعته، ويركب سيارته وينطلق من بيروت نحو بلدته الجنوبية. لم تكن الساعة قد أشارت بعد إلى موعد وقف إطلاق النار حينما وصل إلى محطته الأولى: الغازية، إلا أنه قرر إكمال الطريق، فانطلق نحو حاجز الجيش في برج رحال ليلتقي أبناء قريته المنتظرين له، ليتابعوا سويًا الطريق نحو بلدته "مجدل سلم". كانت لا تزال هناك نصف ساعة تفصل لبنان عن موعد وقف إطلاق النار حين وصل الى أطراف البلدة عند الساعة الرابعة فجرًا. إلا أن حاله كحال الكثير من الجنوبيين، حثهم الشوق إلى وصال الأرض. أقام صلاة الصبح عند مشارف قريته، ودخل.
كانت أجنحة الليل لا تزال ترفرف فوق سماء الجنوب، أخذ يمشي بين الأزقة بخطوات متباطئة، وبين الخطوة والأخرى كانت تلوح أمام ناظريه مشاهد الدمار أكثر فأكثر، لقد محت طائرات العدو معالم الشوارع. كان كل ما يجول في خاطره في تلك الأثناء، وهو يمشي بين هذه الأزقة التي تربى بين جدرانها، والتي تحاوطها الآن البيوت المدمرة، هو أجساد الشهداء التي لا تزال تحت ردم المنازل، كان كلّما مشى قليلًا، تخنقه عبرته، فلم يكن يدري هو ومن معه من أي الأماكن يجب عليهم البدء بالبحث عن جثامين الشهداء.
تابع المشي، إلى أن وصل إلى "بيته الثاني"، مسجد الساحة المدمر، "مسجد الثقلين"، هو بشكل عام بيت شبان القرية الثاني.. وقف على أعتابه، يعاينه وسط العتمة، لم يتبق من ذلك المسجد الكبير إلا مئذنتاه. انهمرت دموعه، وأطلق العنان لصوته فباتت أسماء الشباب الذين كان يلقاهم هنا واستشهدوا تخرج من فمه دون توقف، فأخذ يناديهم بأسمائهم واحدًا تلو هكذا عاد عصام زهوي، الرجل الخمسيني، الذي كان من رواد مسجد الثقلين الدائمين في مجدل سلم، إلى بلدته بعد معركة اولي البأس في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني 2024. اليوم، وبعد خمسة أشهر من انتهاء الحرب، جلس على ركام المسجد، يجتاحه الحنين الى الشبان الذين قضوا نحبهم، يستعيد ذكرياته مع هذا المكان، وقبل أن يبدأ بالحديث، فاض الدمع في عينيه واختنق بكلامه، فالذاكرة أقوى من كل هذا الدمار. الآخر، ليرد الليل صوته، مؤكدًا له أن كل من كان له أثر هنا قد رحل.
هكذا عاد عصام زهوي، الرجل الخمسيني، الذي كان من رواد مسجد الثقلين الدائمين في مجدل سلم، إلى بلدته بعد معركة اولي البأس في السابع والعشرين من شهر تشرين الثاني 2024. اليوم، وبعد خمسة أشهر من انتهاء الحرب، جلس على ركام المسجد، يجتاحه الحنين الى الشبان الذين قضوا نحبهم، يستعيد ذكرياته مع هذا المكان، وقبل أن يبدأ بالحديث، فاض الدمع في عينيه واختنق بكلامه، فالذاكرة أقوى من كل هذا الدمار.
بعد هذه الحرب، ومع الدمار الذي احدثته آلات الحرب الإسرائيلية لمختلف المعالم في البلدة، بقيت من أثر هذه المعالم، ذاكرتها العالقة في أذهان الناس الذين عايشوها، والذين كانوا جزءًا منها، وان حدث ورحل هؤلاء الناس دون ان يدوّنوا ذاكرتهم، سيحرم الناس في المستقبل من حكايا هذه الأماكن وذاكرتها المقاومة. وبما أن العدو يسعى لإلغاء كل فعل مقاوم، فإنه لا شك يسعى لاجتثاث كل ذاكرة تتعلق بالمقاومة وأفعالها، سيما تلك المتعلقة بالأماكن. وان لم نكتب نحن هذه الذاكرة فسيعمل الأعداء على التلاعب بكتابتها، أو على محوها تمامًا، وإن لم تدوّن الذاكرة الآن، كيف ستبني الأجيال القادمة علاقة مع أماكن لا تعرف عن ذاكرتها شيئًا؟
ليس المسجد هو المكان الوحيد الذي افتقدته مجدل سلم بعد هذه الحرب، وليس المكان الوحيد الذي كان له ذاكرة مرتبطة بالواقع المقاوم في البلدة. بل وإن ما تكتنزه هذه البلدة من ذاكرة مقاومة تتعلق بأماكنها وما تكتنزه هذه البلدة من علاقة بين المكان والشهداء، لا يقتصر فقط على هذه الحرب وما قبلها، بل يعود لمئات من السنين، بقي منه القليل مما حفظ وتواتر، وغاب منه الكثير مما لم يسجله أصحاب الذاكرة في عهودهم.
لا يمكن أن يلفح هواء الجنوب وجه المارين منه، وأن تطأ أقدامهم هذه الأرض
دون أن يذكرهم الدحنون بقطرات الدماء التي أجرت نهر الحرية على امتداد الزمن وعلى
اختلاف العصور في هذه البلاد. وبلدة مجدل سلم هي جزء من هذا الجنوب، وجزء من هذه
الأرض العاملية التي مر عليها الكثير من الأحداث، وشهدت مختلف أشكال المقاومة على
مر الزمن.
هي بلدة جنوبية يكتنفها جبل عامل، وتكتنف بدورها تاريخًا بعيد يجهله الكثيرون.
تحتل مجدل سلم موقعًا
استراتيجيًا مهمًا، حيث تقع على هضبة تطل من الجهة الشرقية على وادي السلوقي،
فيفصلها الوادي عن قريتي طلوسة وبني حيان. أما وادي القيسية فيفصلها عن بلدة خربة
سلم من الجنوب وعن الصوانة من الشمال الغربي. وبالإضافة لتلك البلدات المذكورة آنفًا،
تجاورها من الشمال بلدة قبريخا، ومن الجنوب بلدات شقراء، صفد البطيخ، والجميجمة.
يختزن اسمها معانٍ محتملة كثيرة، ومنها ما نقله لنا رئيس بلديتها الأستاذ
علي ياسين، حيث أشار أن الجزء الأول من اسمها آرامي ويعني "الحصن
المنيع"، أما الجز الثاني "سلم" فيعود الى اسم الشخص الذي ينسب
إليه هذا الحصن ويملكه، وتقول التحليلات أنه اسم ابن النبي شيت، والبعض الآخر
يربطه بالسلام، وهناك من يقول إنه مرتبط بـ "اور سالم" والذي هو الاسم
التاريخي الأول لمدينة القدس.
أما اليوم فإن مجدل سلم يتبع اسمها اسمٌ آخر، اسم ثبّت هويتها،
"حاضرة الإمام الحسين (ع)"
لم يتم اختيار هذا الاسم عشوائيًا، ولم يكن من بنات أفكار أهل البلدة، بل كان اقتراحًا من سماحة الشهيد السيد "هاشم صفي الدين" (قده) وبموافقة من سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله (قده) في العام 2019، لما لهذه البلدة من أثر في إحياء ذكرى العاشر من المحرم في كل عام. حيث يحضرها ما يقارب الـ 50 ألفًا من المعزين لمشاهدة العمل المسرحي "واقعة الطف" التي تقيمها جمعية الزهراء (ع) في البلدة منذ العام 1985.
عندما نتحدث عن شباب مجدل سلم، عن روحهم المقاومة عبر التاريخ، نتحدث عن مقاومة لم تقتصر فقط على السلاح والدم، بل عن جميع أشكال المقاومة، فهم كانوا إلى جانب عملهم في تطوير العمل المسرحي في أوائل الثمانينات، وتحت ظل الاحتلال، كانوا يكتبون رسائل تهديد للعملاء في البلدة، ويحاولون ترعيبهم بشتى الاشكال. فكانوا يستخدمون "الداكتيلو" الذي لم يكن متوفرا الا في بيت واحد في البلدة، لكي لا يعرف كاتب التهديدات من خطه.
كانوا في الوقت ذاته لا يخشون تحدي العدو، والتمسك بمبادئهم وإحياءاتهم الدينية، فإلى جانب تلك المسيرة التي تحدوا العدو الإسرائيلي فيها في العام 1983، ففي يوم أسبوع شهادة الشيخ راغب حرب في شباط العام 1984، وحينما كان شبان وأهالي القرية متجهين نحو المشاركة بالعزاء مع أهالي العديد من القرى الأخرى، كانت هذه الحادثة.
حين يتجول المرء اليوم في البلدة، ويلحظ حجم الدمار الذي حل بها، على يد العدو الإسرائيلي، يدرك أن ما وراء هذه العدوانية في التدمير، سبب واضح، سبب لا يمكن إخفاؤه ولا يخجل أهالي البلدة منه، هو "المقاومة". ففي العام 2024 وبعد معركتي الإسناد واولي البأس التي خاضتها المقاومة في لبنان "حزب الله" لإسناد غزة ودفع الأذى عن لبنان ومناهضة الاستكبار الصهيوني، وبعد تقديمها أكثر من 76 شهيدًا في حرب اولي البأس، تم إعلان بلدة مجدل سلم بلدة منكوبة بسبب نسبة الدمار فيها. ومن الجدير ذكره أنها ليست المرة الأولى التي تعلن فيها بلدة منكوبة، بل أعلنت كذلك في العام 1991 بعد أن تعرضت أيضًا لقصف عنيف حينها من العدو الإسرائيلي، ورغم ذلك لم يتأخر أبناؤها في أي من السنين عن العودة إليها والبقاء فيها.
فيوم أعلن وقف إطلاق النار في تشرن الثاني 2025، لم يتوانى شبان مجدل سلم الذين نزحوا عن القرية، عن العودة إليها مباشرة في ذلك اليوم، بلا عادوا قبل أن تشير الساعة الى الوقت الفعلي لبدء تنفيذ الاتفاق.
فيحدثنا الحاج محمد ياسين، والشباب حسن ياسين، محمد شمس الدين وعلي ياسين، عن عودتهم إلى مجدل سلم يوم وقف اطلاق النار
تقول الباحثة الفلسطينية روضة غنايم إن "المكان ليس مجرد نقطة على الخريطة، وإنما هو حيز طافح بحياة الناس"، اذًا ماذا لو حل الدمار في انحاء هذا المكان، كيف يتم حماية ذاكرته التي شهدت يومًا على قصص الذين استشهدوا من أجل أن تطفح الأماكن بحياة الناس؟
في هذه البلدة الكثير من الأماكن التي حوت حياة الناس ومقاومتهم، أماكن اختزنت قصص المقاومة منذ الأزل. ولكثرتها، لا يمكن حصرها، فالبيوت والشوارع والمقاهي والمحالات والمساجد والمجمعات وغيرها الكثير، تحوي ما لا يمكن عده واختصاره من القصص، ولكن لمحاولة إنصاف الأماكن في تحقيق لا يتجاوز الأربعة آلاف كلمة، وبعد أن جلنا وتحدثنا مع أهالي هذه البلدة، وبناءً على القصص التي سمعناها، استوت خياراتنا على أماكن ستة حَفرت عميقًا في وجدان أهل البلدة وكان للشهداء والمقاومة الأثر الكبير فيها..
لا يمكن أن نتكلم عن الذاكرة، دون أن نلجأ للتاريخ الشفوي، فهو التاريخ الذي يبني ذاكرة الأماكن المحفوفة بالناس، لا تلك التي كتبت على يد الحكام دون تأتي على ذكر حكايا الأرض..
ومن هنا، كانت هذه الجولة الشفوية القصيرة على ذاكرة أبناء مجدل سلم المتعلقة بالأماكن الستة، والتي تظهرت على شكل وثائقي، فبدأنا من وادي السلوقي الذي كان جزءً من ذاكرة العمل المقاوم على مر الأزمان، حي المصلية الذي شهد عبور الاستشهاديين وكان بوابة التحرير الثانية في العام 2000، المجمع الحسيني الذي استهدف في الحرب فلم نر منه سوى المطبخ الصامد وكثير من الركام، مسجد الثقلين الذي كان المسجد الجامع في القرية والذي دمر أيضًا، “أرض كربلاء" حيث يقام المسرح العاشورائي والذي لوّن البلدة بصبغتها الحسينية، وأخيرًا روضة الشهداء التي غصت بالشهداء بعد انتهاء الحرب..
وثائقي هذا البلد الأمين