مرويّات الأمـــــاكن

  وادي الســلوقي 

قبل ان نجلس على كتف وادي السلوقي، ونتخذ من الأرض هناك مسرحًا للحديث عن الذاكرة، تجولنا في الوادي الذي يجتازها بطول لا يقل عن 9 كلم، كانت السيارة تتخبط فينا يمنة ويسارًا، فالطريق المؤدية للبلدة منه مليئة بالحفر بسبب الغارات التي شنها العدو الإسرائيلي اثناء حرب الاسناد واولي البأس والتي استمرت بعد اعلان وقف إطلاق النار. بالإضافة إلى التخريب التي سببته حين وصلت قوات العدو الى هذه الطريق بريًا بعد الحرب، بخروقات واضحة لكل اتفاق وقف إطلاق النار، وحفرت بعض طرقاتها بهدف التخريب. في اثناء جولتنا مررنا بجانب مسجد الشهداء المدمر، تأملنا ارتفاع الجبال حوله والأشجار التي تكسوه من كل جانب بشموخها المعتاد. هنا في هذا الوادي شعرنا أن الهواء يحمل ذاكرة ايضًا، فذاكرة المقاومة لا تستثني شيئًا على هذه الأرض. 

بعد تلك الجولة، جلسنا على صخر الجبل المطل على وادي السلوقي، يحدثنا العميد المتقاعد نضال زهوي، المتخصص بالجغرافيا والتاريخ، عن وادي السلوقي الممتد في بلدته مجدل سلم. فهذا الوادي، بحسب تعبيره هو أكثر من مجرّد معبر جغرافي بين التلال. بل هو في الوجدان الجنوبي، وخصوصًا في ذاكرة أبناء جبل عامل، خطّ تماس دائم بين الأرض والدم، بين التاريخ والمقاومة، بين الجغرافيا والكرامة.

ينقل إلينا العميد زهوي، رواية شفوية شعبية يتناقلها أهالي البلدات المجاورة لوادي السلوقي وهي قصة مقتل يزيد بن معاوية في هذا الوادي على يد راعٍ رفض أن يسقيه حين عرف أنه "قاتل الحسين (ع)".

ان الموقع الاستراتيجي للوادي، وموقعه الجغرافي الدفاعي، استغل من قبل الحركات الثورية في المنطقة على مر العصور، بالإضافة لاستغلاله من قبل مختلف الجيوش والقوافل. وخلال الحرب العالمية الثانية، شكّل وادي السلوقي في جنوب لبنان مسرحًا لمواجهة نادرة بين طرفين من الجيش الفرنسي نفسه، حيث دارت معركة بين قوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال شارل ديغول، المدعومة من بريطانيا، وبين قوات حكومة فيشي الموالية لألمانيا النازية، والتي ضمّت في صفوفها عددًا كبيرًا من الجنود الجزائريين.

بين يزيد وديغول

تميّزت هذه المواجهة بـ “صمود أسطوري"، بحسب رواية العميد، حيث أظهر الجنود الجزائريون مقاومة عنيفة. الا انه في النهاية، استطاعت قوات ديغول، بدعم مباشر من الجيش البريطاني الذي كان يحتلّ فلسطين آنذاك، أن تحسم المعركة لصالحها. وانتهت المعركة آنذاك بسيطرة ديغول على الوادي والمنطقة المحيطة، وشكّلت هذه المحطة خطوة حاسمة في إخراج لبنان من سلطة حكومة فيشي، وتثبيت الحضور الفرنسي الحر فيه، تمهيدًا لاستقلال لبنان لاحقًا.

أتفاق القاهرة

مع بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، تحوّل وادي السلوقي إلى خطّ مواجهة ومقرّ دعم للفدائيين الفلسطينيين. وكان له دورٌ بارز في انطلاقة المقاومة الفلسطينية من جنوب لبنان، كما كان السبب الأول لإبرام اتفاقية القاهرة عام 1969، ففي الثالث من تشرين الثاني من ذلك العام، وبعد اندلاع الاشتباكات بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني، وقّعت الدولة اللبنانية هذه الاتفاقية مع منظمة التحرير الفلسطينية، برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والتي نصّت على السماح للفدائيين الفلسطينيين بممارسة العمل المسلّح انطلاقًا من جنوب لبنان ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، وعلى تنظيم وجودهم داخل المخيمات، ومنحهم نوعًا من الإدارة الذاتية.

المقاومة اللبنانية

منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، أصبح وادي السلوقي أحد الشرايين السرية التي استخدمها المقاومون اللبنانيون لتنفيذ عملياتهم النوعية في الشريط الحدودي المحتل، في ظلّ السيطرة الإسرائيلية النهارية. فنُفّذت فيه عمليات يومية، أما العملية التي قام بها شاب لقّب بـ “الشهيد الحي"، فقد شكّلت صدمة للعدو الإسرائيلي، حين تمكّن مقاوم من النجاة من ثلاث غارات متتالية موثقة بالصوت والصورة، وتبيّن لاحقًا أنه عبر من وادي السلوقي إلى وادي المغارة، وصولًا إلى مجدل سلم دون أن يمسّه أذى.

بين عامَي 1985 و2000، بات الوادي يُعرف بـ “وادي الشهداء"، حيث ارتوى ترابه بدماء المقاومين، وساهم في رسم ملامح معادلة "النهار لكم والليل لنا". وعند التحرير عام 2000، كان أحد أبرز بوابات العبور إلى الشريط الحدودي، حيث تدفّقت العائلات من بوابة التحرير القائمة عند أعتاب وادي السلوقي في مجدل سلم والتي سميت بـ "بوابة التحرير الثانية" وكانت هي نفسها بوابة عبور الاستشهاديين نحو تنفيذ عملياتهم كأسعد برو وعبد الله عطوي.
في حرب تموز 2006، استعاد الوادي دوره الطبيعي كمقطع أرضي يستحيل اجتيازه بسهولة، إذ شكّل عائقًا طبيعيًا أمام التقدّم البري الإسرائيلي. كما أن معظم الدبابات التي دُمّرت خلال تلك الحرب كانت في وادي السلوقي، ما جعله من أبرز رموز الدفاع والمباغتة الذكية.

الحاجة خديجة ​حرز

أما الحاجة خديجة ياسين، الامرأة السبعينية التي عاصرت بدايات المقاومة، والتي أسرت لمدة عام في سجون الاحتلال في القدس بسبب تعاونها مع حركات المقاومة، فكانت تحدثنا في فناء دارها عن وادي سلوقي وما تخبئه في ذاكرتها عنه. تحكي الحاجة خديجة، ابنة بلدة مجدل سلم، عن منزلها الذي كان جزءًا من امتداد وادي السلوقي قبل الامتداد العمراني الواسع الى دائرته. فتقول لنا، أنه في الوقت الذي كانت فيه المقاومة الفلسطينية تختبئ في الأحراش بعد أحداث أيلول الأسود، كانت تحضر للفدائيين الطعام سرًا، وترسله مع أولادها تحت ذريعة جمع الحطب أو إرسال الأطفال للّعب.

تحدثنا عن الوادي وتخفي دمعتها، فالوادي بالنسبة لخديجة لم يكن مجرد معبر للمقاومين، بل صار قطعة من ذاكرتها الشخصية. فابنها الشهيد حسن وهيب ياسين، كان يلازم شجرة في أسفل الوادي، أقامها كمقرّ دائم له، يرصد منها مداخل المنطقة، ويستقبل الزوّار بالماء والطعام. هذه الشجرة، التي احترقت لاحقًا في حرب الـ 2006، إلا أنها عادت لتنمو من جديد، بتعبيرها "أجمل وأقوى"، وكأنها ترمز لحياة الشهداء التي لا تنطفئ. بالإضافة إلى حملات التشجير التي قام بها ابنها الشهيد حسن مع أبناء القرية، لمدخل وادي السلوقي من مجدل سلم. وتقول إن "معظم هؤلاء الشبان استُشهدوا، لكن الأشجار التي زرعوها لا تزال شاهدة على وجودهم".

إن علاقة أهل بلدة مجدل سلم بوادي السلوقي، هي علاقة تتعدى كونه جزءًا منها فقط، بل علاقة مع مكان كان جزءًا من ذاكرتهم وذاكرة شهدائهم ومقاوميهم.

·

حي المــــصليـــة

أحد مداخل البلدة الأساسية، هو ذلك المدخل الذي يوصلنا إلى بوابة التحرير الثانية، التي سميت كذلك لأنها شهدت دخول أهالي القرى الحدودية نحو قراهم المحررة في العام 2000، وعند أعتاب هذا المدخل يقع "حي المصلية" وهو الحي الذي الذي تناقلت قصته الأجيال منذ بدايات القرن الماضي. وهو واحد من أكثر المواقع رمزية في مجدل سلم، لما له من أبعاد روحية ومكانية عميقة. تبادلنا أطراف الحديث مع الحاج منيف ياسين، الرجل التسعيني الذي سمع قصة الحي عن أبيه وترعرع عليها. فيقول لنا إن أصل اسم هذا الحي يعود إلى واقعة تاريخية حدثت في أواخر القرن التاسع عشر، حين شهدت المنطقة احتباسًا وجفافًا شديدًا، فاختيرت هذه البقعة لإقامة صلاة الاستسقاء، وجُمِع فيها أربعون عالمًا من مجدل سلم ومن البلدات المجاورة لها. وقد كان من بينهم شيخ فتيّ اسمه محمد خليل دبوق، دعاه العلماء مجتمعين لأن يؤم الصلاة بهم، لما رؤونه فيه من ايمان، وكان لهذه الصلاة وقع روحي كبير على الحضور، إذ يُروى أن المطر بدأ يهطل خلال الدعاء، ما أكسب المكان اسم "المصلية".

وفي هذا الحي أيضًا، بُني مسجد السيدة الزهراء استنادًا إلى رؤية نقلتها امرأة من أهالي البلدة اسمها بدرية ياسين، تقول إنها رأت فيها الإمام المهدي (عج) يصلي في تلك البقعة، فبدأ العمل على بناء المسجد عام 1990. واليوم بعد حرب اولي البأس وبعد أن دمر العدو الاسرائيلي مسجد الثقلين في الحرب الأخيرة على لبنان، والذي كانت تقام فيه الصلاة بشكل أساسي في البلدة، باتت تقام الصلاة بشكل اساسي في هذا المسجد.

أما في العام 1982، حين قرر سبع شبان من البلدة أن يقوموا بمسيرة عاشورائية، فقد قرروا اتخاذ حي المصلية نقطة انطلاق لهم، لما له من خصوصية معنوية في أذهانهم. فيحكي لنا راغب ياسين، المسؤول الإعلامي لجمعية الزهراء (ع)، والتي هي الجمعية المسؤولة عن إقامة العمل العاشورائي واقعة الطف، عن أن فكرة المسيرة الأولى في مجدل سلم انطلقت من مجموعة من سبعة إخوة كانوا معروفين بتدينهم منذ ما قبل انتصار الثورة الإسلامية. وهؤلاء الإخوة، وبعد عودة الإمام الخميني إلى إيران، ازداد حماسهم، وأرادوا التعبير عن هذا الاندفاع الديني والثوري بشكل فعلي. وفي البداية، لم يكن لديهم أي توجيه مباشر من جهة حزبية أو تنظيمية، فتحركوا من تلقاء أنفسهم، وبدأوا بتنظيم مسيرة عاشورائية بسيطة، هدفها إحياء ذكرى الإمام الحسين، ولكنها كانت محمّلة برسائل واضحة ضد الاحتلال والعملاء، كانت تلك المسيرة بسيطة في الشكل، حيث لبس المشاركون الأكفان البيضاء، وحملوا رايات بسيطة، منها راية كتب عليها "ثورة الحسين (ع) مدرسة الثائرين ضد الطغاة" وساروا في شوارع البلدة، رغم وجود الاحتلال الإسرائيلي. 

المسيرة لم تكن ليوم واحد فقط حين بدأت في ذلك العام، فيشير راغب إلى أنها استمرت على أيام، وأن الناس بدأت تلتحق شيئًا فشيئًا من البلدة. حتى أن الذين سمعوا عنها من خارج البلدة، صاروا يأتون للمشاركة حتى وصل عدد المعزين في يوم العاشر من المحرم من ذلك العام إلى حوالي600 شخص. وفي ذلك الوقت، لم تكن هناك مضائف أو تنظيم استقبال، لكن البيوت نفسها تحوّلت إلى أماكن استضافة للذين يأتون من خارج البلدة.

أما في العام التالي، العام 1983، فقد منع الاحتلال الإسرائيلي أي شكل من أشكال التجمعات من أجل الاحياءات العاشورائية، الا أن هؤلاء الشبان وأهالي البلدة حينها، وبرعاية من الشيخ علي ياسين، قرروا إحياء يوم العاشر، فأتت الجموع من القرى الخمس المجاورة لمجدل سلم بدعوة من الشيخ إلى البلدة واجتمعوا في حي المصلية بدأت مسيرتهم من هناك، وهم يحملون صور الامام الخميني (قده) تحت أزيز مروحيات العدو. 

وقد كانت هذه المسيرة هي العامود الأساس للعمل المسرحي "واقعة الطف" التي تقام اليوم في البلدة، والتي سنأتي على تفاصيلها في تكملة التحقيق.

مسجد الثقليـن

يُعد مسجد الثقلين من أبرز المعالم التي استُهدفت بشكل مباشر خلال حرب الـ 66 يومًا، وذلك لما يحمله من رمزية دينية واجتماعية. فهو تحفة عمرانية وفنية بكل ما للكلمة من معنى، يتميّز بموقعه الجغرافي في وسط بلدة مجدل سلم، كما يُصنَّف شرعيًا بأنه "المسجد الجامع"، وهو الجامع الوحيد في البلدة. وقد شكّل هذا المسجد نقطة التقاء لأبناء البلدة جميعًا، إذ كانت صلاة المغرب بمثابة الموعد الثابت الذي يجتمع فيه الإخوة من مختلف الأحياء، فلا يكاد يُذكر أحد إلا ويُرى في تلك اللحظة داخل المسجد. يبلغ المسجد من العمر أكثر من 100 عام، جدد على مدارها أكثر من مرة، إلا أن أكثر ما ميزه، أنه من المساجد القليلة التي تتميز بمئذنتين، بل هو المسجد الوحيد في المنطقة الذي لديه مئذنتين. وحتى بعد أن تم قصفه، فإن الجزء الذي تبقى منه واقفًا هو مئذنتاه. لقد أم المسجد بشكل أساسي منذ سبعينات القرن الماضي، الشيخ علي ياسين، ولا زال حتى اليوم يقوم بإمامة الصلاة كلما تواجد في البلدة.

وقد كان المسجد بحسب تعبير أبو حسن ياسين، رئيس بلدية مجدل سلم، يشكّل أحد المراكز الدينية والثقافية المهمة في البلدة. وأُطلق عليه اسم "مسجد الثقلين" بناءً على تسمية اقترحها أحد العلماء في المنطقة، تيمّنًا بحديث الثقلين ("إني تارك فيكم الثقلين...")، ما يعطي المسجد هوية عقائدية واضحة. لم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة فحسب، بل شهد نشاطًا ثقافيًا وتعبويًا بارزًا، إذ أُلقيت فيه محاضرات مركزية حضرها قادة وشخصيات دينية كبرى، من بينها محاضرة ألقاها السيد موسى الصدر نفسه في السبعينات، وكان الحضور فيها من مختلف القرى المجاورة.

عصام زهوي، جزء من ذاكرة المسجد

يُعرّف زهوي عن نفسه، من مواليد العام 1971، من بلدة مجدل سلم. يروي بداية علاقته بالمسجد منذ العام 1979، حين كان في الثامنة من عمره، حين بدأ بتعلّم سورة الفاتحة على يد خاله، ثم تعلم الصلاة في المسجد مع السيد أحمد شوقي الأمين. يقول، إنه في تلك المرحلة، كان المسجد صغيرًا ويجمع عددًا من الأطفال، مما أدى إلى نشوء مجموعة دينية ناشطة في سن مبكرة.  لتتوسع هذه الأنشطة وتشمل الأشغال اليدوية والرسوم داخل المسجد. كما يذكر انخراطه في الكشاف إلى جانب الشهيد خضر وهب، ويقول إنه كان من الوجوه الأساسية في المسجد. 

مع توسع البلدة في منتصف الثمانينيات، بدأت صلاة الجمعة تُقام في الساحة العامة لضيق المسجد، بإمامة الشيخ علي ياسين، الذي كان يمتلك إذنًا شرعيًا لإقامة الخطبة. وبعد ذلك، تقرّر توسعة المسجد، فهُدم وأُعيد بناؤه بمبادرة من أبناء البلدة، وخاصة الحاج عبد الحسين ياسين، والد الشيخ علي ياسين، الذي قاد أعمال الترميم. فبنيت مئذنتاه وبات يضم طابقين: واحد لفصل الشتاء وآخر لفصل الصيف.

يبكي زهوي الـ 76 شهيدّا الذين استشهدوا في حرب اولي البأس، تسبقه دمعاته عند الحديث عنهم ويردد أسماءهم بين الفينة والأخرى، ويشير إلى أن لكل واحد منهم قصة وحضور خاص، وأنهم كانوا جزءًا من الجلسات اليومية بعد صلاتي المغرب والعشاء. كان هؤلاء الشبان يصلّون في المسجد، وكان لكل منهم مكان محدد، محت وجوده الغارات التي استهدفت المسجد، إلا أن أثره بقي في ذاكرة من كان يرتاده.

الحســــــينــــــيّة

أُنشئت حسينية السيدة الزهراء (ع) في مجدل سلم خلال ثمانينيات القرن الماضي، وشكّلت منذ ذلك الحين أحد الرموز الدينية والإحيائية الأساسية في البلدة، لا سيما في مواسم عاشوراء والمناسبات الكبرى. وقد بادر إلى إنشائها المرحوم الحاج عبد الحسين ياسين، لتكون مجمّعًا دينيًا متكاملًا يجمع بين الأبعاد الروحية والتعليمية والاجتماعية.

تكوّن المبنى من عدّة طوابق، ضمّت في أسفلها محلات تجارية، وفي الوسط الحسينية، وفي الطابق العلوي مدرسة ابتدائية تطوّرت لاحقًا إلى معهد ديني، ثم أصبحت مدرسة متخصصة في تعليم القرآن الكريم. ويُذكر أن للمجمع رخصة مدرسية قديمة تعود إلى أربعينيات القرن العشرين، ما يعكس امتدادًا طويلًا في النشاط التربوي والديني في البلدة. كما احتضنت الحسينية ناديًا رياضيًا، ومطبخًا خيريًا أنشئ باسم "مطبخ الزهراء" (ع) في أوائل الثمانينيات.

لعبت الحسينية، دورًا مباشرًا في سياق المقاومة، حيث تعرّضت للاستهداف في أكثر من مناسبة، أبرزها في الحرب الأخيرة عام 2024، عندما قُصِفت بشكل مباشر ما أدى إلى استشهاد أربعة أشخاص، قبل أن تُدمّر بالكامل في سياق تدمير منهجي للبنية الدينية والثقافية في البلدة.

ومن داخل ما تبقى من حسينية الزهراء في مجدل سلم، بدأت الحاجة زينب ياسين، القيمة على مطبخ السيدة الزهراء (ع)، تسرد مسار تطوّر المطبخ العاشورائي الذي بات اليوم جزءًا أساسيًا من حياة البلدة في شهر محرم.

فتقول لنا الحاجة زينب، أن اهل البلدة بدأوا بالطبخ في المجمع الحسيني، وخصوصًا النساء منهم، منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى أن توسع العمل، وكان مشروع رحماء الذي تأسس في العام 2019. تولت حينها هي مسؤولية العمل في المطبخ، واقترحت تحويل "الكراج" القديم في الحسينية إلى مطبخ مجهّز بكافة المعدات. وقد تم تمويل المشروع بالكامل من قبل شخص واحد وجهز بأفضل المعدات وبات أكثر سعة. كان يشارك في العمل معها قرابة 20 شخصًا من شباب وفتيات يتوزعون على المهام، لكن في ليلة العاشر يقلّ عدد الشبان لانشغالهم بالمسرحية أو بالمهام الأمنية، ما يضاعف الجهد على الفريق الباقي من رجال ونساء.

تخرج الحاجة زينب من منزلها في أيام محرم العشرة عند الساعة السادسة صباحًا ولا تعود أحيانًا قبل منتصف الليل. أما في الليلتين التاسعة والعاشرة، فيتحول العمل إلى حالة طوارئ تستمر لأكثر من 48 ساعة متواصلة، يُجهَّز خلالها الطعام وتُعبَّأ الوجبات وتُنقل في سيارات "فان" منذ السابعة صباحًا. ورغم التعب، ترى الحاجة زينب أن القوة من الله، وتحرص على أداء دور إداري وتنظيمي دقيق على الأرض في العاشر.

تقول لنا الحاجة زينب، أن مشروع رحماء لم يتوقف لحظة عن العمل خلال حرب الاسناد ولا خلال حرب اولي البأس، بل إنه استمر بالعمل بحسب الظروف المتاحة.

في حرب اولي البأس، قصفت الحسينية بشكل كامل، إلا أن جدران المطبخ نجت من القصف. تصف الحاجة ارتباطها العاطفي بالمكان. تجلس بين جدران المكان، وتستذكر الشبان الذين كانوا يعملون معها في السنين الماضية، واستشهدوا في هذا العام، ومنهم ابنها الشهيد علي ياسين، فتقول إن أكثر اللحظات التي كانت تسعدها هي حين ترى الشباب يلتفون حولها لتناول الطعام، وكانت سعادتها بإطعامهم سعادة خاصة، فتدمع عينها وهي تتكلم عنهم، وتقول إن كل هذا الدمار يعوض، إلا أن الشبان الذي استشهدوا لن يعوضهم شيء.

أما في الطابق العلوي للحسينية، فقد كانت توجد غرفة لتحضير وتوزيع ملابس المشاركين في مسرحية واقعة الطف. فماذا عن هذه المسرحية؟

أرض كربـــــــــلاء

فيما سبق، تمت الإشارة إلى أن جذور المسرح العاشورائي في مجدل سلم تعود إلى ما بعد الاجتياح الإسرائيلي العام 1982، عندما نظّم سبعة شبان متدينين مسيرة شكّلت النواة الأولى للمسرح. فآنذاك تدخّل الحاج عبد الحسين ياسين، واقترح على الشبان أن يقدّموا خلال فعاليات المسيرة، مشهدًا مسرحيًا يجسد شيئًا من الأحداث التي حصلت في كربلاء، وهنا كانت الغرسة الأولى للعمل. ليصبح المشهد المسرحي في العام 1985 مسرحية كاملة يطلق عليها اسم "واقعة الطف".

فيقول لنا راغب ياسين، أن المسرحية تطورت إلى حدث جماعي متكامل ارتبط اسم البلدة به، حتى باتا لا ينفصلان. أغلب الكادر الإداري من مجموعة السبعة أنفسهم، وكان أفراد العائلات يأخذون أدوارًا أساسية في المسرحية. كانت الأدوار تُوزّع بدقّة، خاصة تلك التي تتطلّب التزامًا دينيًا مثل دور المرأة الأسيرة أو الطفل الرضيع، وكان يراعى في ذلك الحلال والحرام. مع توسّع حجم المسرحية، فُتح المجال لمشاركين من خارج البلدة.

أُقيمت أولى المسرحيات في منطقة "التامرية"، قبل أن تُنقل إلى أرض في وادي القيسية تسمى "الجزيرة"، وهناك استقرّت حتى يومنا الحالي، وأُطلق عليها لاحقًا اسم "أرض كربلاء"، لتتحوّل إلى الفضاء المركزي لعرض واقعة الطف سنويًا. لم يكن اختيار الموقع عشوائيًا، بل جاء نتيجة تراكم التجربة وتنقّلها حتى وجدت مكانًا طبيعيًا يليق بطبيعة الحدث. ومن الجدير ذكره، أنه وبحسب ما قاله لنا رئيس البلدية أبو حسن، فإن أولى الرميات الصاروخية نحو كريات شمونة في الأراضي المحتلة، كانت تنطلق من هذا الوادي قبل العام 2000.

في التسعينيات، وفّر الحاج عماد مغنية لهذا العمل تسهيلات مادية. كما وأنه، خلال فترة المسرحية، كانت إجازات الشبان المشاركين من المجاهدين مفتوحة، ما يعكس أهمية العمل ضمن الخط التعبوي للمقاومة. كانت هذا العمل تحت رعاية الشيخ علي ياسين إلى أن تولّى السيد حسن نصر الله (قده) رعاية المشروع بشكل مباشر في العام 2006، فتكفّل بتمويل كل تكاليفه، ما ثبّت استمراريته إلى عامنا هذا.

ومع الوقت تحوّل المسرح إلى مشروع تعبئة شاملة، فالمئات من أهل البلدة في عاشوراء يشاركون في الفعاليات المتعددة لهذا العمل، من الاستضافة والطبخ، للتغطية الإعلامية والحماية الأمنية، للعمل المسرحي والتجهيز للإحياء بشتى أشكاله. وهذه الروح الجماعية جعلت من أرض كربلاء ساحة أشبه بالجبهة الخلفية، حيث يُعدّ الشباب تمثيليًا ونفسيًا لمعركةٍ لاحقة قد تكون حقيقية في يوم ما، وهذا ما حصل فعلًا، وقد خرّج هذا العمل عشرات من الشهداء منذ قيامه. ففي العام 1993، ارتقى الشهيد خضر وهب، الشاب الذي دخل إلى هذا العمل وأغناه بثقافته الفنية، واستشهد على يدي العدو الإسرائيلي، فتم تسمية الفرقة المسرحية لواقعة الطف باسم "فرقة الشهيد خضر وهب". ثم ارتقى الشهيد حسن وهيب ياسين، في العام 2006، والذي كان يعدّ أحد الكوادر الأساسية في هذا العمل. لتتوالى الحروب بعدها، ويستشهد في المعركة الأخيرة "اولي البأس" 2025، أكثر من 40 شابًا من الشباب الذين يشاركون بشكل أو بآخر في الاحياء العاشورائي في البلدة أثناء تصديهم للعدو الإسرائيلي في الخطوط الأمامية، ومن هؤلاء الشباب عدد لا بأس فيه ممن كان لهم أدوار أساسية في إنجاز هذا العمل. 

أما تشييع شهداء البلدة من هذه الأرض فقد كان وقعه مختلفًا جدًا. فبعد انتهاء معركة اولي البأس، وبعد أن كان معظم الشهداء قد دفنوا كودائع في مختلف البلدات، جاء اليوم الذي يجب أن تنقل فيه جثامينهم إلى البلدة لتدفن فيها. وقد كان المسؤولون في البلدة يتشاورون عن شكل التشييع الأنسب للعدد الكبير من الشهداء الذي يفوق السبعين. فأتى شاب يدعى علي عبد الحسن زهوي إلى رئيس البلدية أبو حسن ودار بينهم هذا الحديث الذي بدأه علي:

 مجدل سلم مش هي حاضرة الإمام الحسين "ع" -

         مبلا

       ورمز الحاضرة وين؟

       مسرح عاشوراء

       صح، وعندك شك إنو الشهداء متل أصحاب الإمام الحسين "ع"؟ -

        أبدًا -

        اذًا بينعمل خيمتين بالمسرح العاشورائي وبينحطو الشهداء بين الخيمتين -

        بنقلك رأيك ان شاء الله-

وبعد هذا الحديث بعدة ساعات، جاء خبر شهادة علي عبد الحسن زهوي، ليعمل بما قاله عن التشييع، ويكون بين أول دفعة من الشهداء الذين شيعوا من أرض كربلاء.
هؤلاء الشهداء، بتعبير راغب، وهو يصارع دمعته، "ما في مكان أولى من إنه يتشيعوا منه"، فهذه الأرض مجبولة بهم، منذ طفولتهم، إلى شبابهم، يتلفت راغب وهو يحدثنا يمنة ويسارًا، فهو جالس في هذه الأرض وهو يحكي لنا عن التشييع، يقول لنا أنه يحاول جاهدًا أن يبقى في هذا المكان دون أن يغلبه الشوق لرفاقه الذين يفتقدهم، فهو يتذكر يوم التشييع ويتذكر معه كيف كان الشبان يعملون في هذه الأرض سابقًا. شيّع الشهداء من الأرض في ذلك اليوم، ونقلوا إلى روضة الشهداء.

روضة الشـــهداء

قبل الحرب، كانت جبانة البلدة الأساسية، قد شارفت على الامتلاء، فعمل المعنيون على تجهيز جبانة جديدة للبلدة، إلا أن موقعها البعيد نسبيًا نظرًا للجبانة الأولى، جعل العديد من أهالي البلدة ترفض فكرة الدفن فيها، لصعوبة زيارتها، وبعدها عن وسط البلدة.

عندما اندلعت معركة اولي البأس، وسقط اول الشهداء، لم يكن أمام الشبان المتبقين في البلدة، سوى أن يدفنوا شهداء البلدة الذين يرتقون في المعركة، إلا في الجبانة الجديدة، لأن القبور فيها مجهزة. فكانوا يدفنون رفاقهم تحت أزيز طائرات الاستطلاع. وقد صلى الشهداء بعضهم على بعضهم الآخر، فالشهيد محمد جواد ياسين، صلى على أحد الشهداء قبل عدة أيام فقط من شهادته، ليُصلى عليه ويدفن في هذه الجبانة أيضًا.

وبعد الحرب، وبعد الاتيان بجثامين الشهداء التي كانت قد دفنت كودائع في مختلف البلدات، وبعد انتشال الشهداء الذين كانوا لا يزالون تحت ركام المنازل، امتلأت الجبانة بأكثر من 70 شهيدًا، فصارت الجبانة التي لم يكن أحد يريد أن يدفن فيها "روضة الشهداء" في مجدل سلم، المكان الذي يكاد لا يفرغ من الزائرين، والذي بات جميع أهل البلدة، يريدون أن يجاوروا فيه الشهداء بعد موتهم.